
التأقلم مع الأوضاع نعمة ونقمة بالوقت نفسه. نعمة من الله سبحانه كي نتعايش مع المحيط والظروف السيئة بدرجة أقل من الانزعاج. ونقمة لأن التأقلم على مستوى الدولة يجعل الأغلبة تقبل الوضع السيء كأنه طبيعي ومع مرور الوقت وقلة الوعي الشعبي هو بالفعل يصبح كذلك. ويكون المستوى الأدنى لما هو مقبول هو المتوقع بالاضافة الى الانخفاض به أكثر مما يجعل التوقعات أسوء وأسوء وهذا بحد ذاته يحبح التوقع الجديد.
شرح عملي تجده بمستوى الخدمات العامة بالدولة كانت حكومية أم حتى تجارية...
في الدوائر الحكومية الرد على مراجعين "مرنا السبت" تطور الى "مرنا الأحد" ولا استغراب فلا توجد جهة مراقبة على آداء الموظفين غير مزاجهم ومزاج "مراقبهم" أو مديرهم هو الآخر.
موظفان إثنان على نفس الطاولة يردان ردان مختلفان على نفس السؤال وحين ترجع ملبيا لما طلباه تفاجأ برد ثالث لما تحتاجه معاملتك الحكومية!
بالواسطة يمكّن المستحيل وبالروتين يعرقل الحق بسبب المزاج.
الدوام الرسمي الحكومي حتى الواحدة والنصف لا يتواجدون على أماكن عملهم الساعة الواحدة ويقفل الصندوق الساعة الثانية عشرة والنصف بحجة تسكير الحسابات ولهذا السبب يمتنعون عن استقبال المعاملات واعطاء أرقام جديدة الساعة الثانية عشرة! طبعا خلك من من هو "محسوب" على المدير أو من أعلى منه والمدير يريد رضاه بما يسمى بالكويتي "يضبطه" ولا يداوم من أساس فهو مجرد اسم على كشف الرواتب.
نسأل أين مراقبة الوظف من قبل مراقبه؟ ثم نكتشف حاجة مراقبة "المراقب"! ثم نعيد السؤال بالنسبة للمراقب ثم نكتشف المدير. ثم نكتشف الوكيل المساعد والوكيل ووو! أسلوب اختيار حسب المحسوبية والولاء وغض النظر عن الانتاجية والتجاوزات لن يصنع غير هذا الوضع.
تعودنا وتأقلمنا جعلنا لا نتوقع غير هذا الآداء ونأخذه بالحسبان ونمهل خمس أيام لانجاز ما نعلم انه ينجز بزيارة واحدة. المدير يحاتج اسبوع أو أكثر لتوقيع ورقه. حتى النحت على الرخام يأخذ أقل وقت. لا بد من شخص غير موجود. "إجازة"، "باجتماع"، "طالبه الوكيل" والكذب كثير. يرجع من إجازة (فعلية) يأخذ مرضية أو غياب برضاء المدير.
تأقلمنا على المستوى المزري للخدمة العامة دون التحرك لتحسينه سمح للخدمات العامة أن تصل مستوى جديد من الانحطاط. الصحة بعد

قبول عدم تجهيز الغرف بالشكل الصحيح وصلت الى مرحلة الخطر والحرائق بالمستشفيات! التعليم بعد التأقلم مع عدم التحصيل العلمي في المدارس والقبول بنظام الدروس الخصوصية وشراء الامتحانات وصلت الى شراء الشهادات العليا وعدم الفائدة من حامليها مما ينعكس على مستوى آداءهم في وظائفهم... والسلسلة تكتمل! الداخلية وتوظيف فظلة الجامعات والبنوك وتقبلنا لسلوكياتهم بالشوارع وصلت بنا الى عدم الثقة بأمن الدولة وما هب بهم من فساد وفضائح اكتشفتها دول أخرى! تأقلمنا مع توزيع المناقصات كأنه حق للشيوخ والتجار وصل بنا الى أزمة كهرباء وماء ونحن بلد يصدر الطاقة للعالم الخارجي! والحل جاء على شكل تنفيع مرة أخرى وتكتمل السلسلة!
تأقلمنا مع سوء ادارة البلد جعلنا لا نتوقع أفضل ونعتمد الأسوء. بل وحتى صاغ عدد كبير من ابناء البلد حياتهم للاستفاده منه وهذا موضوع مقال قادم ان شاء الله.

التأقلم والقبول بالخدمات السيئة والتعديات ليس فقط بالقطاع الحكومي بل والأهلي أيضا. غلاء الأسعار الغير مسبب من قبل عدد كبير من التجار لم يواجهه الا التجاهل الحكومي والغضب "الكلامي" الشعبي. معاملات لدى شركة التسهيلات التجارية تتطلب منك الذهاب لهم ولغيرهم مرات عديدة وأصبحوا جزء من النظام العام ليست بشركة تجارية والعميل هو اساس وجودها. الدولة تحمي وتعزز المصالح التجارية لمن هم محسوبين على النظام أو هم النظام ذاته.
كم حكم قضاءي صدر في حق البنوك وبالعبارة الصريحة "نصب واحتيال" و"خيانة أمانة" وإجبارهم برد مبالغ غير مستحقة (سرقة) للعملاء المختلفين؟ لا زالوا الى يومنا هذا لم يعمموا حكم القضاء على

جميع العملاء فقط على من ترافع عليهم أمام القضاء أو ما شبه. معرفتهم لنفوذ ملاكهم وضعف القانون أمامهم ومدى تقبل العميل للخدمات السيئة يجعلهم يتمادون ويتعمدون على سوء الخدمة فلا شيء يجبرهم على عكس ذلك. حساب القروض بما يكسر القانون. رسوم غير مستحقة. فرض قيمة نصف

دينار على تصوير كل بطاقة مدنية (!) لإجراء الإكتتاب بشركة الإتصالات الثالثة بالوقت نفسه الذي يأخذون 5 فلوس على كل سهم أي 5 دنانير عمولة على كل شخص يريد الإكتتاب بـ1000 سهم! العائلة المكونة من سبعة أشخاص مثلا تدفع للبنك 35 دينار عمولة -أي إيراد- للبنك وثم تدفع 3 دنانير ونصف لتصوير الأوراق المطلوبه للبنك. مستشارين البنزك جميعهم لا يفهمون بالعلاقات العامة أو إرضاء العملاء؟
تقبلنا لكل ما هو سيء بالدولة يثبّت المستوى السيء الذي نحن عليه وتنبؤنا الى ما هو أسوء يقبّلنا بما هو أسوء وأسوء وحتى قبل ما يحدث!
وتكتمل دوامة السوء الى أسفل بجميع المجالات التي نعيشها بالكويت.
التطبيقات كثيرة لكن السلوك واحد.