
تكملة للبوست السابق أهل التحرير
استذبحت القوات العراقية على المسك به من ضمن قائمة شديدة الأهمية بالنسبة لهم. امسكوا به مرة ثالثة وأخيرة وتم نقلة الى العراق بالوقت نفسه لعدم اعطاء فرصة لتنظيم محاولة لانقاذه. نقلوه من معتقل داخل العراق الى آخر. من مدينة الى أخرى. والتعذيب ينهل عليه بكل مدينة عراقية نجسة. تفاصيل التعذيب لم يتفوه بها لكن نرى علاماتها على جسده وعلى نفسيته. علامات الكي والكهرباء والطعن والأظافر المفقودة.
رجع الى الكويت مشيا من العراق بعد انهيار جدار معتقلهم في قصف جوي من قبل قوات التحالف. بعد وصوله الكويت أكمل كما هو متوقع -لكن عكس المنطق- حمله للسلاح وايضا تمديد قوات التحالف المعلومات وغيرها من أمور عسكرية. ساهم بتحرير الكويت من الداخل. وتعاون مع قوات التحالف بأمور كثيره. زحف مع الزحف البري. رأى تحرير الكويت بعينه. وبقلبه. ذاك البطل.
كان من أوائل من رجعوا للخدمة العسكرية في معسكر الحرس الوطني احتراما لمن سقط هناك من شهداء وزملاء. كان من ضمن الذين قاموا بتنظيف المكان بعد التخريب والاهمال. استلم مهام تنظيمية بالمعسكر حتى وصول اصحاب الرتب اللازمة في استلام مهامها. ثم رجع الى مكانه ورتبته المتواضعة.
لم يكن على ما يرام. عادت أمه الى البكاء بعد انتهاء الحرب لتحرير الكويت بعد ما ادركت ان الله سبحانه وتعالى كتب لابنها الحياه بعكس ما توقعت هي والجميع معها. وعكس توقع فلان لنفسه أيضا. لكنه كان شخص مختلف. مختلف بالسلوك. بالشبه. بكل شيء. لم يعد فلان من قبل الغزو. اصبح منعزلا قليل الكلام قليل النوم واتذكر نزول دموعه بدون ان يشعر بها.
في يوم وهو في الاصطفاف العسكري صرخ عليه ضابط شاب حديث التخرج. لم يرد عليه بالسلب او بالايجاب. بمحاولة للضابط ان يجبره بدأ بالصراخ والاهانات وفي حينها "فصل" فلان وأخذ يضرب في الضابط ضرب وحشي لم يتوقعه أحد من انسان. انفجر. بعد معالجة الضابط تم عمل التقارير والمحاكمة العسكرية. حاول زملائه وبعض الضباط ايضا اقناع الرتب العليا انه لا يلام نظرا لما رأى وما فعل وما فعل به. لكن استنفر الضابط الجديد واسطاته وتم تسريح عزيزنا من الخدمة العسكرية بالعار. دون النظر الى تاريخه أو حالته النفسية أو أي شيء!
جلس صديقي بالبيت دون الخروج. اسود وجهه وقل وزنه. غير ممكن له ان يلتحق بجهة عسكرية أخرى ومن غير شهادة يعمل بها عمل آخر. ولم يكن له الرغبة بأي حال. انكسر من الداخل. لم يكسره اسره ثلاث مرات ولا تعذيبه الله أعلم بعدد المرات ولا رؤية ما رأى من دماء كويتية بطله. انكسر من ما فعله بلده به. من دافع عنه. من هدى روحه له.
جلس بهذه الحاله فترة طويلة. مرض أحد اخوانه الاصغر منه بالمرض الخبيث والعياذ بالله. سافر معه مرافقا للعلاج. رجع أخيه. ولم يرجع هو.
مرت السنين ولا خبر. عاف البلد. يصعب علي المرور حتى الآن نحو بيت عائلته. ومع الوقت تم بيع البيت. وتغيرت ملامح المنطقة مع التطور. ولم يبقى من معالم بطولة فلان الا ما بقي بذاكرة أهله ومن يعرفه.
لم ترقص حدس الدبكه لذكره. لم يباع شماغه بمائة ألف دينار. لم تعمل الوطن فلما وثائقيا عن حياته. في الوقت الذي هو يبيع دمه مقابل تراب الكويت كان صاحب الوطن يسرق خيرات الكويت لحسابه ومن معه.
اليوم يقفز لنا من يناصر احزاب خارجية ومن عملت ضد الكويت لا بارك الله بكم وعدم احساسكم. وغيرهم وغيرهم. سامحنا يا فلان اذا نحن فقط حاملين الاقلام ومضحين فقط بوقتنا مقابل حملك السلاح وتضحيتك بنفسك. نحن مقصرين ونظل مقصرين. لكن الوعد ان لا نترك البلد يهب بالريح دون ان يقف معه ابناءه. واحساسنا بالتقصير كفيل بدفعنا الى الاستمرار.
كل عام وانت بخير يا فلان بعيد التحرير

